أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
252
شرح مقامات الحريري
حوراء يقصر عنها الوصف إذ وصفت * أقول ذلك في سرّ وإعلان فلما وردت على معاوية ، قال : إن كانت أعطيت حسن النغمة مع هذه الصفة ، فهي أكمل البريّة ، فاستنطقها ، فإذا هي أحسن الناس كلاما ، وأكملهم شكلا ودلّا ، فقال : يا أعرابي ، هل من سلوّ عنها بأفضل الرغبة ؟ قال : نعم إذا فرّقت بين رأسي وجسدي ، ثم أنشأ يقول : [ البسيط ] لا تجعلني والأمثال تضرب بي * كالمستجير من الرّمضاء بالنار أردد سعاد على حيران مكتئب * يمسي ويصبح في همّ وتذكار قد شفّه قلق ما مثله قلق * وأسعر القلب منه أيّ إسعار واللّه واللّه لا أنسى محبّتها * حتى أغيّب في رمس وأحجار كيف السلوّ وقد هام الفؤاد بها * وأصبح القلب عنها غير صبّار فغضب معاوية غضبا شديدا ، ثم قال لها : اختاري من شئت ، أنا أو ابن أم الحكم أو الأعرابيّ ؛ فأنشأت تقول : [ الرجز ] هذا وإن أصبح في أطمار * أو كان في بعض من اليسار أكبر عندي من أبي وجاري * وصاحب الدّرهم والدينار * أخشى إذا غدرت حرّ النار * فقال له معاوية : خذها لا بارك اللّه لك فيها ، فأخذها وأنشأ يقول : [ الرجز ] خلّوا عن الطّريق للأعرابي * ألم ترقّوا ويحكم لما بي ! فضحك معاوية وأمر له بعشرة آلاف درهم ، وأدخلت لبعض قصوره حتى انقضت عدّتها من ابن أمّ الحكم ، ثم دفعها للأعرابيّ . وقال بعضهم : كنت سائرا في بلاد عذرة فولجت بعض أوديتهم وإذا شابّ حسن الوجه ، بيده زمام ناقة ، عليها هودج مسجّف ، به جارية ، ومن وراء الناقة خمس قلائص ، وقد رفع عقيرته ينشد ويقول : [ الكامل ] ته كيف شئت وسر على مهل * كلّ الجمال عليك يا جمل عليّ أنّك لا ترى كللا * ما دام فوقك هذه الكلل فسلّمت عليه ، فردّ ، وسألته وسألني وتناشدنا ، واتصل الأنس بيننا ، وسرنا غير قليل ، فرأى قانصا في أحبولته ظبي ، فلما رآه يضطرب في الأحبولة أجهش بالبكاء ، وأنشأ يقول : [ الطويل ] وذكّرني من لا أبوح بحبّه * محاجر ظبي في حبالة قانص فقلت وجفن العين يجري بعبرة * ولحظي إلى عينيه لحظة شاخص